20 يناير, 2010

حين يزهر النوار وتستمر الحياة..




حين يزهر النوار وتستمر الحياة .. مشاهدات حية في غزة بعد الدمار


غزة/ هدى بارود:
ربما نستطيع التكهن بالقرارات السياسية والعسكرية من قراءة التاريخ ، أو التنبؤ والرؤى الناقدة النافذة ، ولكن ، هل يستطيع أي منا أن يرصد التغيرات الاجتماعية للشعوب بعد حرب فتكت بأخضر البلاد ويابسها ، وهل من السهولة بمكان أن نتجاوز (أصغر الأمور) في الحياة العادية غير الطبيعية ، من باب التضحية بالأقل أهمية لأجل المصلحة العليا ؟؟
ربما استطعنا رصد الدمار والخوف والقوة أحيانا في الحرب الأخيرة على غزة ، التي زارتها الهيئات الدولية المختلفة ، لتخفف عن أهلها حزنا استوطن القلب ، رغم تعودهم عليه .
استمرت الحياة ، وغزة الآن تنبض من جديد ، يجري الدم الأحمر في عروقها كما لم يجرِّ قبلا على شوارعها وفي ساحاتها ......


هواية جديدة


لو رننت على أي هاتف محمول لأي شاب فلسطيني في غزة، ستشعر بالخوف بكل تأكيد فلم تعد فيروز ولا غيرها تحتل مكانا ما في تلك الهواتف ، فقط أصوات الصواريخ تهوي على المنازل تدمرها وتحتل مكانها بين نغمات الجوال ...
فهد عطا الله استطاع تسجيل صوت صواريخ تنسف بيت جاره من غرفته ويَّحيى صوت ذلك الانفجار كلما رن هاتفه ، يقول : " لا أشعر بأن الأغاني الشبابية المتنوعة تستطيع أن تعبر عّما بداخل الشباب بعد الحرب ، وكيف ذلك وقد حفظنا أصوات الصواريخ عن غيب ، ونستطيع التفريق بينها بسهولة " .
وعلا حسب الله الزميلة الصحفية تضيف " عادة ما كنت أبحث عن صور الفنانين أو الإعلاميين المشهورين لأحتفظ بها في هاتفي ، أما الآن ، لا أعرف ما يشدني لأن أبحث عن صور البيوت المهدمة وجنازات الشهداء ، كل ما في هاتفي الآن هو صور من غزة " .
ومن الملفت للنظر أيضا ، أن الكثير من الشباب قد احترف مهنة التصوير على هاتفه النقال ، فتراهم يختارون الزوايا الصحيحة لالتقاط الصورة ، ويقررون متى يستعينون بالفلاش وفي أي اللحظات يكون الفيديو أكثر نفعا ....
على استحياء
للأعراس الفلسطينية حكاية أخرى ، فأصوات الزغاريد والأهازيج الشعبية التي كانت تزين ليلها رغم التغير الاجتماعي في كل العالم ، خفت صوتها الآن ، فالفرحة صارت على استحياء ، أغلقت محال استئجار أثواب الفرح البيضاء أبوابها ، واعتزل طباخو غدوات الأعراس مهنتهم ، وانتهت مراسم حمام العريس ، طبعا في غزة فالوضع دائما مختلف ...
العروسان الجديدان نور الهدى ومحمد لم يفرحا كباقي المتزوجون في العالم بيوم زفافهم ، فهم كالمرتكب جرما ، أقاموه في الخفاء .
نور الهدى لم تلبس ثوب الزفاف الأبيض ، ولم تخرج من بيت والدّيها على صوت الأغاني والأهازيج ، ولا أحييت لها حفلةٌ كباقي الفتيات .
تحاول الابتسام لتخفي حزنا ظهر واضحا في عينيها ، انتبهت لوجودنا وقررت التبرير
لحزنها قائلة " أنا لست حزينة على نفسي ، الله يكون بعون من فقدت بناتها في سن الزواج ، ومن العيب أن افرح أنا وجراني وأقاربي منهم الشهيد والجريح ، ولكني كنت أتمنى أن ألبس الثوب الأبيض (.....) " .
وتكلم محمد بعد زوجته ، كثيرا عن أهمية الصمود وجزاء الصابرين ، ولكن يبدو أنه ملّ " الكذب على نفسه " فبكى في حين لم تبكِ زوجته ، " هي ابنة عمي ، كنت أتمنى أن نبدأ حياتنا بفرحة نتذكرها طوال العمر ، ونقص أحداثها على أبنائنا وأحفادنا ، ولكن هو العجز ذاته " .
محمد قرر أن يطلق اسم الياسر على أول أبناءه من الذكور، هو اسم اختاره أقرب أصحابه لابنه الأكبر لو أنه أكمل حياته وتزوج كما كان مقرر له مع صديقه في يوم واحد .
موقف غريب بحق ، مات أحدهم ولم يكمل حلمه بالزواج والإنجاب والآخر أخفى فرحه وتبني اسم ابن صاحبه الذي لن يحضر إلى الحياة ..



خبراء صغار ..


لا أقصد بالخبراء من اخترعوا الذرة والنووي وأسلحة الليزر ، أو من تحدوا الجاذبية وصعدوا القمر ، ولكني أتحدث عن أطفال غزة ، أولئك الذين تفتحت عقولهم قبل الأوان ، وتشكلت أفكارهم باكرا على غير عادة .
هل كان حكرا على غيرهم الفرح ، حتى لا يطالهم وهم في مقتبل أعمارهم منه شذرات خفيفة ؟؟؟ ....
غيرهم في كل بقاع الأرض يلعبون الكرة ، ويتسابقون بالدرجات ، ويبنون البيوت الرملية ... أما هم فأكثر من يتكلم عن الأسلحة ، أنواعها ، طرق استخدامها ، والاختلافات الجوهرية بين طلقاتها .
يعرفون عن الانتخابات الإسرائيلية ، والحركات التحررية في العالم أجمع ، إنهم أطفال غزة ...
استرقنا السمع لمجموعة أطفال ما دون العاشرة في مدرسة الابتدائية (ج) للاجئين ، وسط القطاع ، وفاجأنا ما سمعنا ، لا أخفيكم أني فركت عيناي أكثر من مرة ، وحاولت أن أغالط نفسي ، إنهم يتكلمون عن القوة العسكرية الإسرائيلية ، وعن إحصاءات عددية بالخسارة في كلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ، وعن أنواع الصورايخ ، والطرق الفنية لإطلاقها ...
يقول أحدهم " تختلف صواريخ طائرات الأباتشي عن صواريخ الأف 16 ، ويمكن التمييز بينها من صوت الهواء قبل انفجارها " ، ويضيف آخر " طائرات الاستطلاع أنواع ، منها من يطلق القنابل ومنها من يكتفي بالتصوير " ، وأعقب مؤكداً " قنابل الفسفور تطلقها المروحيات ، ويخطئ من يعتقد أن طائرة الاستطلاع تطلقها " .
غريب هذا الوضع ، في أشد الغرابة ...



قدماء جدد


التحدي الأكبر ، هو نبتة في الأرض من بعد الجفاف ، تزهر لتنبت أوراقها بشهادات ميلاد جديدة ، تحمل نفس الأسماء القديمة للأبناء القتلى ...
فتحية عبيدات أم لأربعة أبناء فقدت آخرهم في الحرب الأخيرة ، تحمل بين يديها شهادات وفاة أبنائها ، وشهادات ميلاد أحفادها الذين يحملون نفس أسماء أخوالهم .
أنجبت ابنة فتحية الصغرى توأمين بعد الحرب بأسبوع أسمتهما بأسماء اثنين من إخوتها الشهداء .
على وعلاء صغيرين جدا على معرفة عرابيهمها ، لكنهما حتما سيشعران بالفخر ، هكذا تواسي أم الأربعة شهداء نفسها بحفيديها الجديدين ، ولكنها تخشى عليهما مصير أخوالهم .

لنفترض أنها طبيعة
بعد كل ما حدث من أهوال في البقعة الصغيرة جدا من العالم – غزة - ، استمرت الحياة ، كأنها لعبة الكترونية ، لا يعنينها فيها النهاية ..
فكل مرحلة يمكن أن تخزن في الذاكرة ، ليبدأ العمر في العد بعد انتهائها من جديد ...
تك تك تك ، دقت ساعة الصباح ، اسمحوا للديك بالآذان ، وأقيموا الصلاة ، فابنتنا غزة ما زالت على قيد الحياة !!!!




غزة ... حكاية فصولها سطرت بالدماء




من ذاكرة الحرب... كتبتُ بتاريخ 1/2/2009



غزة ... حكاية فصولها سطرت بالدماء
22 يوما من الدمار حولت غزة إلى مدينة للأشباح




غزة/هدى بارود :
دقت الساعة الحادية عشر والنصف صباحا ، نزلت الدرج بخفة ، فقد أنهيت أول اختبار نهائي لهذا الفصل ، سأكمل كافة الاختبارات وبعدها سنتي الجامعية الأخيرة ، فلم يبق الكثير ، القليل من الصبر وتكون ثمرة أربع سنين متواصلات من الجهد بين يدي .
نزلت الدرج الأول والثاني والثالث ، فاهتز المكان .
ربما كانت فرحتي بقوة زلزال حرك الأرض تحت قدمي ، ولكن ما هذا الصوت ؟؟
الكل يصرخون ، أجساد تتقاذفني يمينا وشمال ، ورائحة الخوف تعبق المكان .
اهتزاز ثان وثالث ورابع وخامس في أقل من عشر دقائق ، أسرع في النزول ،أحاول أن أجد لنفسي موضع قدم ، فالكل يزاحم ، وأنا بينهم ضئيلة الحجم ، أخاف لو داسوني بأقدامهم لا أستطيع النهوض .
ذهب النهار وجاءنا الليل أرخى عباءته الثقيلة على المكان وتسارعت أصوات القنابل على اختلافها لتعزف لحن النشاز ، هو الليلة الأولى فقط ستتبعها ليال سود كثيرة .
ربما هذه ليست الرواية الوحيدة التي سمعناها من أناس عايشوا الدمار على مدى 22 يوما من القصف المتواصل والاجتياح البري الشرس ، هُدمت فيه بيوت وزهقت أرواح ، وتقطعت أجساد دفنت أعضائها، ودفنت معها آمال كثيرة .
آمالي تحطمت
سيف طه (20) لاعب كرة القدم في نادي خدمات النصيرات فّقد أحد أطرافه جراء إصابته بشظايا صاروخ سقط على منزل مجاور لمنزل والديه قال " ربما يراني الناس بقدم واحدة ويشفقون عليّ لذلك ، لكنهم لا يعلمون أن شفقتي على نفسي فاقت شفقتهم بآلاف المرات ، فقد دفنت حلمي بأن أصبح لاعب كرة مشهور مع قدمي التي لم يأسف عليها الصاروخ الإسرائيلي" .
وأضاف بمرارة " لست وحدي ، هناك الآلاف غيري ، جميعهم تحطمت آمالهم ، لم يحملوا السلاح ولم يطلقوا الصواريخ ولكنهم عوقبوا على ذلك ".
أما أسامة بارود (19) طالب التمريض الذي بدا على يده اليمنى الانتفاخ الملحوظ فهو أصيب بشظايا قنبلة فسفورية ألقتها الطائرات الإسرائيلية المقاتلة على مركز مخيم البريج ، وهي الإصابة الثانية إذ تعرض لكسر في حوضه بعد انفجار قنبلة إسرائيلية في مدرسته قبل سنتين ونصف قال " أخشى أن تقطع يدي و لا أريد أن أصبح عاجزا، أصبت قبل ذلك ولكن رحمة الله غالبة ، فقد جبر كسري بالرغم من عدم إتمام شفاءه ".
هم في مخيماتهم الضيقة ، وبيوتهم الصغيرة لم يرتكبوا جرائم بحق الإنسانية ، ولكن نالهم من الهم نصيب ، فالطائرات الإسرائيلية لم تتركهم للحظة ، أشعلت سمائهم نارا وحولت ليهم نهار.
فما حال من كانوا في قلب المواجهة ، من دَّمرت بيوتهم الدبابات وتعرضوا للقتل في شمال القطاع .
ناهد صالح (22) طالبة صحافة في الجامعة الإسلامية تسكن في مدينة بيت لاهيا ، أستشهد أكبر إخوتها ، وتقطعت أرجل اثنين آخرين ، ودمر منزل عائلتها ، حدثتنا والدموع تملأ عينيها " قتل محمود ، لم يرّ أصغر أبناءه بعد ، وإيهاب ومحمد تقطعا ، ودمر المنزل وقصفت الجامعة ، ماذا بعد ؟ ، كيف سأعود للحياة بطبيعية ؟ " وأضافت " هل أطلقت أنا أو أمي الصواريخ من فوق سطح المنزل ليقصف ( ... )، ما الذي اقترفناه بحق إسرائيل لتحرمنا من الأمان " .
أما ابنة أختها لمياء (6) بكت عمها الفقيد ، وبيتها المهدم وأخبرتنا عن لعبتها التي ضاعت تحت الركام ، وامتحان الحساب الذي لم تدرس له بعد ، وابن عمها ذو الثانية ربيعا ، وصديقتها التي ترقد في المستشفى ، بعد إصابتها وخمسة من أفراد عائلتها .
كثيرة هي الحكايات التي تخرج من بين الركام ، وما أقساها ..
عائلة السموني ، بأكملها أبيدت ، ولم يبقّ منها سوى طفلة نراها على شاشات التلفزيون تستعرض أسماء من فقدت ، إخوتها وأمها ووالدها ، أعمامها وزوجاتهم وأبنائهم ، كلهم ذهبوا ولم يبقّ غيرها .
لو أرادوك .. ماذا يفعلون؟
وصفت صفاء عاشور جارة آل السموني ، ما شاهدته بعد انسحاب قوات الاحتلال من حي الزيتون فقالت "عائلة بأكملها قتلت ، دمرت عليهم المنازل ، ولم تصل سيارات الإسعاف لهم ، نقلوا على عربات تجرها الحمير ، لم أرّ مشهدا بهذه القسوة من قبل ".
و عمر سليمان والذي شارك في انتشال أفراد العائلة من تحت الأنقاض قال " لم أتحمل ما حدث ، كانوا بجوار بعض ، مشهد مخيف ، ولا إنساني ، لا أعرف هل يّعدُ الإسرائيليون ما يفعلوه محاربة للإرهاب ؟ ، وهل هذه العائلة كانت الإرهاب ؟ " وأضاف " حسبي الله ونعم الوكيل " .
عمر لم يسلم من الأسى أيضا ، فمنزله المكون من ثلاث طوابق سوي بالأرض ، وهو يسكن الآن وعائلته في خيمة في فوق ركام المنزل ، والدة عمر شكت كثيرا من البرد فهي تعاني من التهابات مزمنة في ركبتيها والخيمة لا تدفئ ، وبكت بيتها المنسوف بحرارة قائلة " شاركت أنا وزوجي في بناءه حجرا حجر ، كنا نحملها من أول الشارع حتى هنا ، تعبنا عليه كثيرا ، ولم يتركوا لنا منه شئ ، حتى ما تبق من بقاياه أصابها الدمار ".
وجارتهم ميساء تحمل ابن أخوها ذو السبعة شهور ، فهو لن يجد غيرها بعد قضاء والدته وجدته وعمته الأخرى في شظايا تطايرت إلى منزلهم من القصف الإسرائيلي الذي استهدف سعيد صيام .
تخاطب ميساء ابن أخوها الصغير قائلة " أرادوا سعيد صيام وأخذوا أمك وجدتك ، أرادوا منع إطلاق الصواريخ فقتلوا أولاد خالتك وهدموا منزلهم ، فماذا لو أرادوك أنت ، هل يفجروا يأسروك أم يقتلونا ويقتلوك ؟ " .
يبدو علنا جميعا التعب والإرهاق ، كلهم وجوههم قُلبت للأصفر أو الأحمر ، كلهم يحلمون بالدماء والدمار ، أمس سيطرت على حلمي قنابل الفسفور ، واليوم أراها مطر من نار يتساقط علينا ، أكثر من 6 قنابل فسورية في نهار واحد و9 صواريخ على أرض خالية في ثلاثة أيام ، هل هذه هي حرب الإرهاب ، هل يكون العدوان لمنع إطلاق الصورايخ بهذا الحجم ؟ يبدو أنهم يمتلكون عددا من الأسلحة يودون التخلص منه في أجسادنا وعقولنا وحتى أحلامنا .
آثار نفسية عميقة
د.فضل أبو هين مدير عام مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات عبر عن استياءه الشديد لما حدث في غزة ، مشيرا إلى أنه من الصعب نسيانه مهما تكاثفت الجهود لفتح المعابر وإدخال المواد الغذائية التي حرم منها القطاع على مدى سنتين .
قائلا " حجم المجزرة في غزة هذه المرة ، يفوق كل محاولات العالم للتكفير عنها ، فقد أصابت الحجر والشجر والبشر ، وليس من السهل التخلص من آثارها النفسية " .
وأضاف " مشاهد الدمار التي عايشناها من شمال القطاع لجنوبه ، لا يحتملها عقل بشري سوي ، وستترك آثارها النفسية بقوة في أطفالنا وفينا أيضا " .
وأشاد أبو هين بمجهودات وكالة الغوث (اليونوروا ) للتخفيف عن أطفال المدارس وتخصيص أسبوعين للنشاطات الترفيهية ، ولكن أعقب " إن هذا غير كافٍ " .
وكيف سيكون كافٍ وقد تعرضنا جميعا في غزة لمحرقة جماعية ، لم تستهدف سوى أجساد أطفالنا وذاكرتهم ، بل كيف لنا نسيان تلك الأيام ونحن لا زلنا مهددين بسلسلة جديدة منها ؟ ، وهل سيتكفل إعمار غزة بنيانا من جديد بمحو آلامنا ؟ وهل تكفل الأضواء الإعلامية وبعض الدعاء في محو جرح هدى غالية الثانية والثالثة والرابعة ؟
هذا ما حدث في غزة ... قصة لها نهاية مفتوحة ، فليكتب العالم في صفحاتها ما يشاء
وليلون التاريخ فيها ، عسى أن تجد لها قراء ....











18 يناير, 2010

أشهدُ "بحزني" أمام عدالتكم ... "فاسمعون"!!!


ترويه/هدى بارود:
"أشهد بالله العظيم أن ما أقولهُ صدقا" فاستمع إليّ سيدي القاضي واحكم بما تراه حقا أستحقُه...
أنا عمر سعد أبو حليمة ابن التسعة عشر ربيعا..، نعم .. ذات الشخص الذي زارته لجنة تقصي الحقائق لتُسجل أقواله، بعد أن شَهدَ يوما "استثنائيا" في حياته، قَطعت عليهِ فيه الطائرات المعادية الإسرائيلية هدوءَ "عصرَه" و"أسكتت" صوت إخوته الأربعة ووالده، وأحرقت بقذائفها ذات الرائحة "العَفنة" جسد والدته.
تفاصيل المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل بحق عائلتي سيدي القاضي تُشابهُ أحداثَ "فيلم" "رعبٍ" أبطاله من عائلة "السموني"، مَنعنا والدي من متابعة تفاصيل أحداثه حتى "النهاية" على شاشة التلفزيون، ببث مباشر، قبل يوم من تاريخ رحيله عن الدنيا..
لا تومئ برأسك سيدي، أعلمُ أن الإطالة والتفصيل في الجريمة تتعبُ "مطرقتك" الصدئة، وتسقط كل ثوانٍ الشعر الأبيض الطويل عن رأسك، وتجبر حاضري الجلسة ومُسجليها على توزيع مهام أيديهم بين "العينين" و"الأذنين"، ولكن الحٌكم يا "عادلُ" يقتضي مني التفصيل والتصوير..
رافقني "حضرةَ" القاضي لعربةِ "زمن"ٍ أوقفتُ عدادها بتاريخ "عصرِ"يوم الرابع عشر من يناير العام الماضي، واجلس "هاهنا" على بقايا "الذكرى" بهدوء وراقب...
في غرفة نوم والديّ ..اجتمعنا.. ستة عشر شخصا، نحتمي من "قذائفَ" أغرقت حي "العطاطرة" في بيت لاهيا، وأجبرت سكانه على الاختباء "كالعصافير" الفارةِ من "غرابٍ" ملأ سواد ريشه سمائهم "الحالمة"..
ضَمنا والدي سعد بين ذراعيه "بقوة"، وعيناه الحائرتين تراقبان النوافذ "خوفا" من "أذى" يُصيبنا، وجعلَ يصنع بمساعدة والدتي "حاجزين" بجسديهما، فيغطي "ظهرُ" كل منهما نافذة، وتراقب عينيه النافذة بالاتجاه المعاكس، وأنا برفقة إخوتي "عبد الرحيم وزيد وحمزة وشهد" بينهما، نأكل جوعا وخوفا، ما أحضرته والدتي من طعام، إلى أن سمعنا صوت انفجار "أخافنا" فرجعنا للالتصاق بوالدينا من جديد...
دَفَعنّا والدي خارج الغرفة بقوة، ونظمت والدتي "ملجأنا" في ممر البيت بعيدا عن النوافذ، وكأنهما سيدي القاضي "خافا" من أن يَكشفَ زجاج النوافذ "الشفاف" مكان اختبائنا، فَتُلقي الِغربان الإسرائيلية لعنتها تجاهنا..
تصاعدت الضربات بعد "الأولى"، واشتدت الأصوات، وما كان بيدي إلا أن أقف مُنتظرا دوري "بضمة" إلى صدر والدي، بعد أن تشبث به زيد وحمزة وعبد الرحيم، بينما استحوذت شهد ذات السنة والأربعة أشهر على حضن والدتي.
اقتربت الأصوات وابتعدتُ خوفا إلى أن وصلت آخر "الممر".. بالتحديد قريبا من باب المنزل، كأن "الخوفَ" يعرف أن حياتي مُقدر لها الاستمرار، وأنَّ الله كتبَ ليّ "عمرا" جديدا، فابتعادي "أنقذني" من قذيفتي "فسفور" اخترقتا المنزل، وملأتا فضاءه بالدخان الأبيض "الكثيف" قَذرُ الرائحة..
امتلأت رئتاي بالدخان، وأصابني "سعال" أغمضَ عينيَّ وألقاني إلى الأرض، ولما استعدتُ قواي وكشفتُ عن "عينيَّ"، تكشفت الصورة ورأيت المجزرة بكل تفاصيلها، فَتَحملْ الآن كلامي "الممل" "والممتلئ" ذعرا "سيدي" وشاهد هذه الصورة ...
والدي "سعد" مُلقى على الأرض تخرجُ من جسده النار، وبجواره عبد الرحيم يحاول بيديه "المحترقتين" بطيئتي الحركة "إخماد" اللهب المشتعل بكل جسده، وزيد بعد أن سمعت صوته ينادي " نار يما، نار يما" لم أره، بينما "شهد" وحمزة سكنت حركتهما و"تفحمَ" كامل جسديهما..
لا تذرفَ الدمع سيدي "الآن" فالصورة لم تنتهِ بعد، والقصةُ لم تُختم فصولها، هول الصدمة الذي أصابني لا بدَّ أن يصيبك بعد أن تعلم أني رأيت المشهد كاملا "بدمويته" واحتراق أجساد أبطاله..
ورغم ما حدث، نظرتُ باتجاه الباب لأفاجأ بوالدتي تزحفُ "متشقلبة" على الأرض تحاول بيأس إخماد نارٍ تأكل وجهها وأجزاء من جسدها، فهربتُ زاحفا ألحق بها، إلى أن وصلنا خارجا..
أوقفني أخي محمود على قدميّ وعدت للبيت متابعا خطاه، ليخرُجَ منادي"لا أرى غير الأبواب تحترق"، وأنا أنظر بحسرة للنار تشتعل بإخوتي ووالدي، وأشتم رائحة أجسادهم، عاجزا عن تصحيح معلومة محمود بأن من يحترق هم أهلنا يا أخي لا الأبواب..
لا أعرف كيف استطعتُ تناول "بطانية" من الأرض سيدي القاضي، وكيف أوصلتني قدمايّ لجثة والدي المشتعلة، وكيف استطاعت يديّ أن تحاول لفّ جسده "بالبطانية" أو حتى كيف احترقت هي على جسده، وابتعد رأسه منفصلا "كالكرة" شديدة السواد...
مرَّ الوقت وأنا جالس أراقب أجساد أهلي المحترقة في منزلي، وأرى النار تَخمد وشظايا الصواريخ تذيبُ الجلد وتصل للعظام "تتركُ" فيها آثارها، والدخان المنتشر يخنق من يقف في جو الغرفة لأكثر من عشر دقائق..
هنا توقفت حياتنا يا "عادلُ" وقررنا الرحيل "حاملي" بقايا أخوتي الأربعة ووالدي، في شاحنه صغيرة، تاركين خلفنا ذكرى "ماضٍ" جمعني بهم لثمانية عشرة سنة، استعدتهُ ثانية بثانية في طريق الهرب إلى أن وصلنا "دوار العطاطرة"..
لا أخفيك سرا سيدي القاضي أن فكرة الموتِ راودتني أكثر من مرة، وكم تمنيت أن ألقي بجسدي في حضن والدي علّ الحرارة في جثته تحرقني وأرافقه، أو حتى ألقي بنفسي خارج الشاحنة فتصطدم رأسي بالطريق وأفارق الحياة، ولكن للأسف، حتى الرصاصة التي أصابني بها الجندي الإسرائيلي متعمدا عند "دوار العطاطرة"، وأنا أحاول منعهم من إلقاء والدي وإخوتي في حفرة خصصوها للتستر على جرائمهم، أصابت "كتفي" ولم تقتلني..
وها أنا الآن بعد عام، ما فارقتني ذكرى ذلك اليوم، ولا مُسحت من ذاكرتي أحداثها "المختومة" بصورٍ وكلمات بذيئة رسمها الجنود الإسرائيليون ووجدناها بعد انتهاء الحرب على جدران منزلنا السوداء، وفي المكان "المُحتفظ" بحرارة احتراق إخوتي...
"انتهت" شَهادتي سيدي القاضي، وما "انتهى" عقلي من استعادة الإحداث ومحاولة استيعابها، اسمح لي بالمغادرة تاركا المجال لك بالتداول في القضية مع العدالة "معصوبةُ" العينين و"مختلةُ" الميزان .....

يوم خُطفتَ مني ..وحماني كُرسيَّ "المتحرك"






ترويه/هدى بارود
سأتكلم اليوم، بعد أن اعتدتُ حزنا مبهما، أَنفذَ دموعي وعّلم على خديّ خطين حارقي الملمس مالحي الطعم، وسَربَ لروحي عبير ذكراكَ التي ما كنت لأنساها، أو يغفلَ عنها قلبي فائض الاشتياقِ إليك.
صغيري البريء أتذكرُ يوم حملتك في المهد طفلا، وزينت ملابسك الطفولية "بكفٍ" ذهبية يتدلى من إبهامها خرزة زرقاء، تحرس جمال عينيك من "حسدٍ" أو شرٍ يتقصدُ إصابتهما، أوتذكرُ يوم "أتعبتك" بأغان "عجوز" رفضت الاستماع لها منشدا أشعارا عَجزتُ أنا عن فهمها، وضحك والداك..
عاهدي ويا روح قلبي، إن كانت المسئولية التي ألقيناها على كاهليك بعد وفاة والدك أرهقت "عمرك" الغض، ونسيتَ ما كان على هامش طفولتك من ذكرى تخلدُ براءة روحك وطهرها، أنا لم أَنسَ، والذكرى حتى اللحظة، "تتلاحق" كأمواج بحر "متلاطمة" في عقلي "الثمانيني" عصيّ "النسيان".
مرّ عام "البارحة" على رحيلك... عامُ كامل ما جّفت فيه الدموع، ولا توقف نزف القلب المُنهك عن النحيب حرقة واشتياقا.
صغيري "الرجل"، استيقظتُ اليوم على اسمك يُجهر به عاليا، ويتلوه التكبير والتهليل، كأنك قائد تفتخر فيه مدرستك " الفاخورة " التي درستَ بها نصف عمرك، وكانت شاهدا على استشهاد جسدك وذبح روحي..
يا ابن قلبي، مرّ عام من تاريخ 6/1/ 2009، وكم تفيض أحداثه من عقلي، فأوله نور سطع عنوة من وجهك "الطاهر"، وآخره نور لفّ جسدك الصغير بأبيض، وأسكن روحكَ السماء..
ذاك الصباح اهتزّ جسدي المُقعد على صوت انفجار قوي، صرختَ منه خوفا، والتجأت إليّ، كأني يا روح قلبي "بطلُ" أدفع الخطر خارجا، ويا ليتني فعلت يا "بطلي"...
قبل ليلة فقط من هذا التاريخ، هربتَ إليَ حاملا أخوك الصغير محمد، خوفا من قصف يطال بيتكم، بعد تهديد وصل جيرانكم بإخلاء المنزل، ولجأت يا ابن روحي إلى حضني أول الليل، ولما انتصف، واشتد سواده، انكمشت في جسدي أكثر، ومع الصباح خرجتّ، ليرجعكُ الصوت إلى جسدي المتعب والملقى على السرير، بجواره الكرسي "المتحرك".
استأذنتني لترافق عمك إلى منزلكم الذي يبعد شارعين فقط عني، لتعود مسرعا وتخبرني أن جزءا لا بأس فيه من منزل والدك، هُدم نتيجة قصف البارحة، وأنك راجعٌ لانتشال ملابس أخوك وأختك الوحيدين، ووعدتني بالعودة سريعا.
يومها يا "عاهد روحي" خفتُ ألا ترجع، ووصيتُ عمك أن يحميك لو حاول مكروه اللحاق بك، وأن يمت هو، وتبقى أنت حيا، وعدتما والحمد لله معا، ليخبرني أن وجهك "ينضب" نورا، وأنه يخشى أن تكون يا ابن الرابعة عشر قلدته وحلقت ذقنك..
أتذكر.. ضحكتُ من كلام عمك حتى أوقعتُ من فمي بالخطأ " طقم أسناني" القديم، لتُسرع إلى الأرض، تغسله وتعيده إلى يديَّ "المجعدتين"، وتُقبلهما..
"يااااه يا عاهد"، حرك حنانك ذكرى كـ"المارد"، لم تغفل عني، وأرجع عقلي ليوم، بكى فيه الحاضرون لعُرس أختك الوحيدة، حزنا وتأثرا على نحيبك الحارق، كأنك يا صغيري أم افتقدت ابنها يوم فرحةٍ كان من المُفترض حضروه لها..
أتذكر.. أعطاك عمك " النقوط" تُسمها لأختك وتسد فراغا مكانيا تركه والدك الشهيد "إياد قداس"، ولكنك رغم حركتك السريعة وطفولتك الجَلية، افتقدته، وأجهشك البكاء، فأبكيت الحاضرين..
" عاهدي الرجل" مرّت ساعات النهار طويلة، جمعتنا في غرفة واحدة حتى مرت الواحدة ظهرا.. والثانية.. واقتربت الثالثة، اهتزّ جسدي المُلقى على السرير مجددا، وغطى صوت انفجار هزّ المنزل على صوتي، وهرب الجميع من حولي، إلاك..
جميعهم أخلوا وأنت انتظرتني لألبس "ملائتي" الأبيض وأنقلُ جسدي الثقيل على الكرسي "المتحرك"، لتجرني هاربينِ خارجا..
توقف صوت الإنفجارات، ولم نكن قد تجاوزنا باب المنزل، فعدنا من جديد للداخل، وعادت العائلة، ليقترح عمك أن نبات الليلة في مكان آخر، خشية الإصابة بضرر، وكالعادة انتظرتني لتحمل متاعي، وتجرّ جسدي الضعيف..
سبقتني أول مرة، لتساعد والدتك، ولكنك عدت، وأنا انتظرتك كالعادة، فأنت عند " حسن" ظني دائما، دفعت عربتي يا " روح روحي" بحنان اعتدتُ رؤيته مُسطرا على ملامح وجهك، وحدثتني قائلا " جدتي، أأشبه والدي حقا؟"..
يا ليتك لم تسأل، يااااا ليتك يا عاهد لم تسأل، فأنت " نسخة" مكررة عنه، وأخشى التفكير بمصير واحد يجمعك به..
اسمع يا صغيري.. أنت كوالدك، ولكنك ستكبر حتما لتحقق حلمه، وتحمي والدتك وأختك، وتكون القدوة الأكثر "حسنا" لأخوك الأصغر، ولتحمل اسم " إياد قداس"، ولن تمت يا عاهد، فأنا أكبر منك، وأنتظر الموت عنك، يا ابن قلبي لن تمت..
كبرت يا صغيري، وما أجمل مجادلتك، وغريب إصرارك على أن نتبع القدر باتجاه مدرسة "الفاخورة" ، رغم اقتراحا الاتجاه شمالا..
دفعت كرسيي يا عاهد، ودفعت عمرك بدلا مني، وحين اقتربنا من المدرسة، اخترق أذني صوت انفجار، وشعرت بك تسقطت يميني، ويقلبُ فيّ الكرسي يسارا...
كيف قُتلت يا "عاهد روحي"، وكيف عشتُ أنا، كيف ذبحتك شظية في العنق، وتلقى عجزي على الكرسي الموت عني؟؟... بياض وجهك ذالك اليوم نافس بياض "الكفن" وتفوق عليه، رغم ازدحام الأول بدموعي وقبلاتي..

أمام "قبريكما" أنفضُ غُبارَ "اشتياقي"


ترويه/هدى بارود:
مرَ العمر سريعا بعد رحيلُكما، واختلفت تفاصيل الحياة عن طبيعتها، وشتاءُ عمري قبل الناس أعلن حُضورَه، فلا حفيف الشجرِ نفسه ولا خريرُ الماءِ ذاته، حتى صوتُ الهواءِ الذي كنتما تخشيان عليّ منه لم يعد ذات الصوت، وتلبدت عيناي بالدموع..
لا أعرف إن كان شاهدا قبريكُما اليوم في زيارتي الأولى، يتحملان ثَقلَ الشوق الذي أضعه بين حروف اسميكما المحفورين عليه، أو يستطيعا نقل رسائلي التي كَثُرت، وزادت طوابع الحنين فيها..
عشرُ سنواتٍ مضت وأنا انتظر اللحظة التي تجمعني بكم، راسما لها كل " السيناريوهات" التي يمكن أن تُرسم لمشهدِ عودةِ مُغتربٍ لحضن والديه بعد عشرةِ أعوام، ما استطاعت فيها "كوبا" بكامل "أناقتها" الاستحواذ على محبته ولهفة قلبه.
عشرُ أعوام يا والديَّ وأنا أصارع "غول" الغربة والوحدة والشوق، وكل ما يشغلني في حلبةَ الصراع المحفوفة بسنينٍ من حياتي قضيتُها بعيدا، دعاءُ ووصية كنتما قد حملتُماني بِهما وأنا أعدُ حقائبي لرحلة "عِلمٍ" فضلتُ أن تكون خارجا لتفخرا بي أكثر..
رحلتُ آملا الرجوع بشهادتيّ بكالوريوس وماجستير في الصيدلة، وكلما راكمَ البعدُ والذكرى و"نشرات الأخبار" عن غزة الشوقَ في قلبي، أقررُ العودةَ ويُثنيني عنها دُعائكما ووصيتكما، "ارفع رؤوسنا عاليا يا أنس، واحذر بُني الغربة وأحوالها، واتبع خطا شقيقك الوحيد لتظفرَ بحب الله ورضاه، وتهدينا ثمرة تعبنا وجهدنا"..
سافرتُ تاركا "روحي" معكما، وكلما رغبتُ يا " روضة ورزق أبو الكاس" بدَفعةِ أمل للأمام، أمسكُ هاتفي وأتصل بكما، يحدثكما لساني وقلبي معا..." أخباري جيدة، ولكن أحترقٌ بُعداً عنكما، وشهاداتي باتت قريبة، وعودتي بإذن الله لحضنكما وشيكة"..، وحالَ أقفلُ سماعة الهاتف وتَسكنُ أصواتكما التي أطربت أذني لدقائق، تُخطفُ روحي مجددا وأود معاودةَ الاتصال، لتمنعني بطاقة الهاتف "منتهية الرصيد".
اسمحا لي الآن بالجلوس خافضا رأسي أمام قبريكما الذي منعني سواد الليل متعاونا مع إصرار شقيقي، من زيارته لحظة رجوعي البارحة إلى غزة، وتقبلا مني هذه الدموع مرفقةً بشهادة "بكالوريوس" وجهدِ عشرٍ متواصلات، ما فارقتني فيها صورتكما المُتربعة "مَلكاً" على عرش قلبي.
واعذراني لسؤالي... لماذا قررتما الموتَ وتركتماني "معا"، وحيدا، في غربة "روحٍ" هي أشدُ قسوةَ من "كوبا"، ولماذا لم تفرحا كما وعدتماني بشهادتيَّ وفضلتما الحصول على شَهادةٍ مختلفة ؟..
"اعتذرُ" والديّ عن أسئلتي، ولكن هي بعض آثار من قلقٍ وخوفٍ ترَكهُما في ذاكرتي مساءَ الخامس عشر من يناير العام الماضي، لما ارتفع صوت دقات قلبي واختنقت أنفاسي، ولم أكن أدرِ ما يحدث، فاتصلت بكما كالعادة أستمد الأمل والراحة، رغم إحاطتكما بخطر الاجتياح البري الإسرائيلي.
رنَ الهاتف أكثر من عشرين مرة، زادت فيها نبضات قلبي، وما كَفِفتُ عن إغراق المناديل "الورقية" بدموعي وعرقي، غير مدرك ما السبب، حتى أسعفتني "فكرةُ" ..الاتصال بشقيقي.. علّكما رحلتما لبيته..
اتصلت كلي أملٌ بالتحدث إليكما، وطلبت منه مُسرعاً بلهجةٍ ملؤها التوتر والقلق " أعطني والدي أو والدتي، أهما عندك؟، لماذا لا يردان على اتصالاتي؟".. لم أسمع رده، أو ربما سمعتُ وأضاعت الصدمة الكلام مُخلفةً إجابةَ واحدة..." يقول الجيران أن قصفا أصاب منزلهم هذا الصباح، وهُدمَ الدرج الواصل لشقتهم".
لم أصدق ما سمعت، ولمدة أسبوع أحاول الاتصال ولا إجابة، فأعاود مُكالمةَ أخي ليُهدأَ روعي واعدا بالذهاب إليكما بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من جبل الريس، وهكذا مضى أسبوع، قلبي يرتجف وعيناي تذرفان الدموع ، وأنتما لا تجيبان..
بعد أسبوع، انتظرت أمام الهاتف مترقبا اتصال "غسان" الذي طال، ليخربني أنكما استشهدتما إثر قذيفة إسرائيلية دمرت "الدرجَ" واخترقت جسديكما، وكانت الفاجعة أن دَمكُما الطاهر ملأ البيت، وأجسادكما لا تزاد " لينة".
ألقيت سماعة الهاتف من يدي غير مصدقٍ ما يقول "غسان"، حتى فهمَ أصدقائي العرب مُصابي، وأقاموا بيت عزاء حَضرتهُ الجالية العربية وأصدقائي وجيراني "الكوبيين"، ووقفت أستقبلهم كالجماد، أكلت الصدمة عقله وأضاعت بصره، فلا أتذكر وجه مُعزٍ ولا كلمة رثاء.. فمنذ سمعت خبر وفاتكما لم أعد " أنس " الذي تذكران، فعلقي كثير الشرود، وقلبي دائم التوقف، وعيناي أرهقهما السهر ولعبت في مسرح "بياضهما" "الأحمر" الدموع.
تابعت دراستي كما ترغبان، كشخص غيري لا "أنا"، قابلت الناس وتحدثت معهم، أكلت وشربت ونمت واستيقظت وأنا "غيري"، لا يسجل عقلي غير أحداث الأسبوع الأول بعد الخامس عشر من يناير، حتى مضت ثلاثين يوما أجبرتني بعدها "الذكرى" على الاستيقاظ فجرا لأمسح بعض الدموع المتجمعة على "باب" عيني، وأَرجعُ "بعمري" ليومٍ أغلقتُ حقيبةَ سفري باكياً فاحتضنتني "أمي"، ومسحت "والدي" الدموع عن عيني ضاحكا..
انتحبت كالأطفال منتظرا أن تمسحا دموعي وتحضنا جسدي شديد الحاجة لكما، أو حتى تضحكا لبكائي، ولما طلع النهار عليّ "وحيدا" وانتصفت الظهيرة، قررت حزم حقائبي مرة أخرى "عائدا"، لا "راحلا"..
لم أحمل الكثير، فكل الهدايا التي جمعتها لكما، وشهادتي التي انتظرتموها.. هناك، وها أنا عدتُ حاملا جسدي المُثقل بشوقٍ كَسرَ أضلعي وأحرقَ قلبي، ألقي "عمري" قربانا أما قبريكما، عسى أن تحضنَ روحيكما روحي، ويزهرُ أملي "الضائع" بسماعكما لخطابي...

03 ديسمبر, 2008

حكاية الأسر


(1)


دائما في الظلام .. يُخطفون من كما الحلم

فلا نفرق بين رحيلهم القسري والموت

لأنهم أحرار .. دفعوا الثمن غاليا

عمرٌ منفي خلف قضبان السجون , وذكرى

البارحة كان يتقلد رشاشه .. واليوم تكبله القيود

وحيد أو مع رفاقه في الزنزانة ، يلوك بألم غصة الفراق

دخلوه ظلما أعفياء ، حتى طوحهم الشوق

فتآكلت أجسادهم واستجابت للتعب أرواحهم .

(2)

في الذاكرة كانوا على فراشهم الدافئ أصحاء ومعافيين

واليوم في المستشفى الصوري على الفراش البارد مرضى ومتعبين

يمر السجان بالثوب الأبيض أمامهم مختالا ، يبخل عليهم قطرة ماء أو مسكن للألم

كأن لهم مطلق الحق بمصادرة أعمارهم

مرة بتضييع أجمل سنوات حياتهم في غرفة لا تتجاوز الأمتار / يبكيها الفجر والنور من شباك يتيم تحرسه القضبان

ومرة أخرى في غرفة مشابهة مكسوة بالأبيض ، يطلقون عليها مستشفى

وهي أبعد ما تكون عن ذلك .

(3)

في أي شريعة حق لهم الطغيان .. في أي كتاب سماوي أمروا بالظلم، وأي إنسانية هذه التي يمارسون بها جرائمهم ضد الإنسانية ؟؟

هل منحهم الله حقا خالصا بالحياة ونحن لا ؟

هل أجاز لهم عيسى ذبح الناس أحياءا آلاف المرات ؟

هل باركهم موسى وأثنى عليهم لون دمنا الأحمر في أياديهم وثيابهم ؟

أي دستور أعطاهم الحق بأسرنا، تجويعنا ومن ثم إهمالنا أجسادا بالية على فراش بارد ومكبلين بالسلاسل ؟؟

(4)

لما ودعوهم .. نزفوا الدموع حرقة لفراقهم.. يرسمون بعيونهم آمالا بالإفراج عنهم بعد وقت يقصر أو يطول

لم يكن في الحسبان أبدا المرض ..

كأن جدران السجن جو صالح لانتشار الأمراض .. فكلهم يمرضون

وأمراضهم مع الإهمال تتفاقم

فلا تطبق جنيف .. ويبقى الأسير صريعا بين بنودها باحتمالات الربما

فربما يعيش وربما يموت .

(5)

عائلة درابيه نموذج لمأساة واقعية .. لكنها ليست الوحيدة

فسالم الشاعر ذو الستين عاما يقتله سرطان الرئة ببطء.. لا علاج ولا إفراج

وعويضة كلاب ، أودع عقله أمانة في السجن الانفرادي الذي صاحبه عشرة أعوام .. معلنا للعالم كله أن عقله الثوري أكبر من أي سجن .. فحتى العزل لعشر سنوات أبقت عليه بريئا .

(6)

48 نكبتان ..مرة حملنا بها جميعا أرواحنا والأمتعة على عربات ، خوفا على ما تبقى من حياة نرجوها بشوق لأطفالنا

ومرة أخرى بعدد من توفي في السجن الإسرائيلي يرجو من الحياة مسكنا لألم جسده.. ظانا بذلك قدرة سحرية تمكنه من العيش أكثر لسنة أو اثنتين

فيصبح الموت بعد ذلك دافئا في الوطن .

(7)

اهلى هناك واقفون .. يدقون الأرض بأقدامهم المنهكة

تشهد لهم أبواب الصليب الأحمر صبرهم

تواسيهم السماء مرارا .. فتخفي جزء من لهيب الصيف

قبلا كانوا يطالبون برؤيتنا بينهم في البيوت والميادين والشوارع

واليوم يرجون تصريحا يمكنهم من حضن ملامح وجوهنا من خلف الشبك

فعقاب جماعي جامع جديد .. حال دون ذلك .

(8)

هكذا الحال في السجن الإسرائيلي .. لا حضن أم يحتوينا

ولا صلابة أب نخفي خلفها عجزنا

السجن والمرض فقط .. تآمرا معا .. يخطفان آخر الأنفاس

ويلهوا يكف شاءا بالجسد .

(9)

السجون قبور باردة .. من فيها أموات

كانوا أسرى لسجان طاغٍ .. واليوم هم أسرى للمرض

يحوم حلوهم الموت بصمت مخيف .. يلتهم ما يشاء من أحلامهم بلا حساب

وفي كل مرة يترقب لحظة استسلامهم للتعب ...

22 أغسطس, 2008

بحجم " الوطن" !!!











استيقظت اليوم باكرا على غير عادة ، لبست ثيابي وخرجت قاصدة وزارة الداخلية .. أسير بخطى سريعة .. أحاول أن لا ألتفت لشئ ، هدفي اليوم محدد .. لا يمين ولا شمال

وزارة الداخلية .. قسم الجوازات

اليوم تمنحني الدولة للمرة الثانية حقا ( منقوصا ) بالسفر

اليوم أنجبت لي الدولة جوازا جديدا ،، حملته في كفي .. باركت للدولة الولادة .. أهديتها (نقوط 150شيكل ) وخرجت.

يا لهذا المولود ... ما أصغر حجمه .. بحجم الوطن

يلبس الأخضر كالوطن

السلطة الفلسطينية منقوشة بالخط البارز على جبينه مثل الوطن .

خرجت من باب الوزارة .. انتظرت في الشارع قليلا .. علَّني أحظَّ بسيارة أجرة تحملني إلى بيتي ،، لم أتوقف كثيرا .. ولكني مللت الانتظار .. قررت أن اقطع المسافة مشيا .. لربما أجد المتعة في السير

ابن الدولة الشرعي ما زال بيدي .. خشيت عليه حرَّ الحقيبة .. تركته يستنشق معي غبار الحياة

سأبدأ أنا بتربيته .. فأمه قد باعتني إياه - حقا - بقليل من النقود .. ما أسخاها

- هل ترى يا بني هذا الطريق .. يسمى شارع ___ ، عليه يسير العشرات يوميا .. يحملون رؤوسهم على أكتافهم .. وآلاف الأفكار السوداء ، كل من يَّمر على إسفلته الساخن .. له حياة .. أتسمع بني ما أقول

حياة ..

حيـــــــــاة

أتعرف معنى الحياة ؟؟ ..

كيف سأربي هذا المولود وأنا لا اعرف معنى الحياة ؟؟!!!!

مممممم.. لقد وصلنا البحر ..

ما أجمل لونه .. أعشق اللون الأزرق .. السماء ،البحر وعينا والدي

كلها مرسومة بالأزرق

أحب الأخضر أيضا .. لا تغضب يا ابن الوطن

أترى معي .. الأطفال الصغار ..

ما أجمل البراءة لما يّخطها الموج على الأجساد الغضة المبللة ..

كم كنت أتمنى أن أتبلل بالموج طفلة .. ويحتضن جسدي المرتعش وطناً .. يُمسد على شعري المبتل .. وأغفو بين أحضانه .........

هنا .. على هذا الرمل الأصفر .. ألقى الناس بهمومهم جانبا .. ومضّوا

وهناك .. على الرمل الأصفر .. لفظ الوطن حلم شبيهتي بالاسم ..وأهداها البحر صاروخا ..

فرقها عن أهلها للأبد .. ومضى

اشعر بالجوع يا ابن الدولة الشرعي .. وقد تصلبت شفتاي عطشا

اشتاق في هذه اللحظة لخبز أمي .. وقهوة أمي، أو حتى خبزاً غير خبز الوطن وماءً غير ماء الوطن ..

ما أتعسني ..

اعتقدت أن جوعي للقدس اكبر من أي جوع .. وعطشي للحرية أكبر من أي عطش

عندما يشعر الإنسان بالجوع .. يلقي بالوطن خارجا .. ويبحث عن ما يوقف ألم معدته ... وهكذا أنا ...

ربما بمقدوري تحمل ألم المعدة .. فألم الروح أكبر ولكن العطش .. آآآآآآآآآه .. شفتاي تتمزقان ..


أي وطن هذا لا يعطيني قطرة ماء والبحر مُلك له ..

أي وطن هذا لا يمنحني معدة حديدية لألوك صبر أكثر من خمسين عاما ..

أي وطن هذا لا يمنحني غير شعار (النصر لنا والموت للمعتدين )

و جواز سفر .. صغير .. ( لا يعمل مدى الحياة )


يكفيك يا ابن الدولة الشرعي هماً .. لا زلت صغير .. أُدخل الحقيبة سأحملك والوطن .. وأمضي

فالوطن بحجم الكف .. وأنت بحجم الكف


وصلت البيت ..

والدي والدتي .. السلام عليكم

- لماذا تأخرتِ

- قطعت المسافة مشياً

- أحضرتي جواز السفر ..

- في الحقيبة

- يبدو عليكِ التعب

- لا.. أشعر بالعطش فقط


أخذت زجاجة ماء باردة .. غيرت ملابسي .. تمددت كالأموات على البلاط البارد .. بيدي ما يرويني ويرطب شفتاي الوطن في حقيبتي .. أنتظر أن يكبر جواز السفر .. لأرحل بالوطن بعيدا وتصبحون على ما تبقَّ من أمل


هدى


16 أغسطس, 2008

غدرٌ أسودٌ كـ " الليل "


هو الليل من جديد ،،،

أرخى عبائته الثقيلة على المكان ... فاستوت الخلائق جميعها

لا يفرق النوم بين البشر ..

هو كالبحر

لا يعرف مواثيق الصباح ...


أحيانا يجعلني أميرة في حلمي .. فلا أفضل النهوض .. وأنبذ الشمس

كثيرا ما يجبرني على انتظار الفجر ،،،

صداقة الليل لا تدوم ،،،

فهو ان كان شهما ، فتح أبواب الحلم الجميل ، أدخلني القصور وتوجني الأميرة

وإن خالف ظني ، ،،وما أمهره ،، ، كشف جبني .. عراني .. وقلب قصري جحيما

لهذا يختلف " المخيم"


في مساحة الأمتار المتروكة هباءً بين أزقة المخيم ، لنا
ذكريات ،أحلام ، أصحاب ، مشاكل ، هموم ، ضحكات ودموع .
فهنا ولدت لاجئة ببطاقة زرقاء، وانتسبت لمدرسة للاجئين،وهنا منحتني الأمم المتحدة دفاتر وأقلام وملابس مدرسية وطعام
وهنا أيضا أنتظر موعد تسليم الكوبونة ، وتقاسمت الخمس شواكل بالعيد وإخوتي الأربعة

و هنا وصمت "بشرف اللجوء"

في المخيم
حكايات ...

أم محمد الجارة العجوز التي لا تنجب .. تبنت طوعا واحد من أبناء أم إسماعيل تدفع عليه دم قلبها .. حتى بكون سندا لها في الكبر ، وكأن العمر يحتمل دفع دم جديد .. وانتظار المجهول >> مسكينة أم محمد

وأبو خليل بياع الفلافل .. أقسم بالله مُغلظا أن (قرص الفلافل بيرقص ) لما أصاب زلزال خفيف المنطقة >> يبدو أن الأرض في القوى أكثر ثباتا منها في المخيم .
وهنا مهدي الشاب الظريف .. لاحق ابنة الجيران حتى ربطه والده بـ (عمود كهرباء وسط المخيم ) >> نيالك يا مهدي .. أصبحت عيسى وبكتك نسوة الحي كلها .
وهنا ( أبو رسلان ) الرجل ( الأهبل ) الذي كان يطاردنا إذا ما مررنا صدفة أمام عتبه بيته >> خيبة اللجوء أعمت بصيرته فلا يميز بين الطفل الصغير والجندي الذي يحمل سلاحا يرغمه به على الرحيل .. خيبة اللجوء وذكريات حمراء حملها في ذاكرته الخمسينية أعمت بصيرته .

( وعطية ) المنحوس .. مدرس اللغة العربية سابقا .. يحمل شنطته بيده ويدور في أزقة المخيم << الضيقة >> يذكر الناس بالمفعول والمنصوب والمجرور .. شارحا سبب الهجرة باختلاف العلماء على إيجاد ( حتى ) المصدرية ،،
كنا إذا ما مَّر أمامنا تعوذنا بالله من المصائب فهو ( منحوس ) يجلب للناس البلاء >> ظنا منا أن البلاء بعيد عن ملامحنا التي يملؤها التراب

وهنا الحج عمر والحج صافي والحج محمد والحج الحمراوي ( لشدة احمرار وجنتيه ) يلعبون ( السيجة والقال ) >> فهم بعد ضياع الأرض والمنجل ( يبعزقون ) آخر ما تبقى من العمر على ناصية الشارع الرملي
.................
في المخيم
أعلنت للعالم ولادتي ..منذ أول نفس لي في مستشفى حكومي >> " فالعمر يبدأ بنفس استنشقه يوم ميلادي .. لأزفره يوم الوفاة ، وما أقصره"

وفي المخيم كبرت عشرين سنة .. وأكثر .. يبدو أن بمقدوره أن يتحملني أكثر وأكثر
هنا في المخيم .. اجتاحتني لحظات فرح .. كما لو أنها طوفان
وهنا في المخيم .. احتضني الليل بدموعي وحيدة ووحيد ..
تقاسمنا الهموم .. أنا والليل .. عشاقا وأصحابا .

وليل المخيم ما أسهل أن يطول إذا لمح دمعة تترقق في مقلتيك
وما أسرع أن يرحل .. إذا عرف من العصفورة انك ابتسمت لقصة حلم كنت قد رسمت له خطة وردية بسنة وأكثر ..