
غزة/ هدى بارود:
ربما نستطيع التكهن بالقرارات السياسية والعسكرية من قراءة التاريخ ، أو التنبؤ والرؤى الناقدة النافذة ، ولكن ، هل يستطيع أي منا أن يرصد التغيرات الاجتماعية للشعوب بعد حرب فتكت بأخضر البلاد ويابسها ، وهل من السهولة بمكان أن نتجاوز (أصغر الأمور) في الحياة العادية غير الطبيعية ، من باب التضحية بالأقل أهمية لأجل المصلحة العليا ؟؟
ربما استطعنا رصد الدمار والخوف والقوة أحيانا في الحرب الأخيرة على غزة ، التي زارتها الهيئات الدولية المختلفة ، لتخفف عن أهلها حزنا استوطن القلب ، رغم تعودهم عليه .
استمرت الحياة ، وغزة الآن تنبض من جديد ، يجري الدم الأحمر في عروقها كما لم يجرِّ قبلا على شوارعها وفي ساحاتها ......
هواية جديدة
لو رننت على أي هاتف محمول لأي شاب فلسطيني في غزة، ستشعر بالخوف بكل تأكيد فلم تعد فيروز ولا غيرها تحتل مكانا ما في تلك الهواتف ، فقط أصوات الصواريخ تهوي على المنازل تدمرها وتحتل مكانها بين نغمات الجوال ...
فهد عطا الله استطاع تسجيل صوت صواريخ تنسف بيت جاره من غرفته ويَّحيى صوت ذلك الانفجار كلما رن هاتفه ، يقول : " لا أشعر بأن الأغاني الشبابية المتنوعة تستطيع أن تعبر عّما بداخل الشباب بعد الحرب ، وكيف ذلك وقد حفظنا أصوات الصواريخ عن غيب ، ونستطيع التفريق بينها بسهولة " .
وعلا حسب الله الزميلة الصحفية تضيف " عادة ما كنت أبحث عن صور الفنانين أو الإعلاميين المشهورين لأحتفظ بها في هاتفي ، أما الآن ، لا أعرف ما يشدني لأن أبحث عن صور البيوت المهدمة وجنازات الشهداء ، كل ما في هاتفي الآن هو صور من غزة " .
ومن الملفت للنظر أيضا ، أن الكثير من الشباب قد احترف مهنة التصوير على هاتفه النقال ، فتراهم يختارون الزوايا الصحيحة لالتقاط الصورة ، ويقررون متى يستعينون بالفلاش وفي أي اللحظات يكون الفيديو أكثر نفعا ....
على استحياء
للأعراس الفلسطينية حكاية أخرى ، فأصوات الزغاريد والأهازيج الشعبية التي كانت تزين ليلها رغم التغير الاجتماعي في كل العالم ، خفت صوتها الآن ، فالفرحة صارت على استحياء ، أغلقت محال استئجار أثواب الفرح البيضاء أبوابها ، واعتزل طباخو غدوات الأعراس مهنتهم ، وانتهت مراسم حمام العريس ، طبعا في غزة فالوضع دائما مختلف ...
العروسان الجديدان نور الهدى ومحمد لم يفرحا كباقي المتزوجون في العالم بيوم زفافهم ، فهم كالمرتكب جرما ، أقاموه في الخفاء .
نور الهدى لم تلبس ثوب الزفاف الأبيض ، ولم تخرج من بيت والدّيها على صوت الأغاني والأهازيج ، ولا أحييت لها حفلةٌ كباقي الفتيات .
تحاول الابتسام لتخفي حزنا ظهر واضحا في عينيها ، انتبهت لوجودنا وقررت التبرير
لحزنها قائلة " أنا لست حزينة على نفسي ، الله يكون بعون من فقدت بناتها في سن الزواج ، ومن العيب أن افرح أنا وجراني وأقاربي منهم الشهيد والجريح ، ولكني كنت أتمنى أن ألبس الثوب الأبيض (.....) " .
وتكلم محمد بعد زوجته ، كثيرا عن أهمية الصمود وجزاء الصابرين ، ولكن يبدو أنه ملّ " الكذب على نفسه " فبكى في حين لم تبكِ زوجته ، " هي ابنة عمي ، كنت أتمنى أن نبدأ حياتنا بفرحة نتذكرها طوال العمر ، ونقص أحداثها على أبنائنا وأحفادنا ، ولكن هو العجز ذاته " .
محمد قرر أن يطلق اسم الياسر على أول أبناءه من الذكور، هو اسم اختاره أقرب أصحابه لابنه الأكبر لو أنه أكمل حياته وتزوج كما كان مقرر له مع صديقه في يوم واحد .
موقف غريب بحق ، مات أحدهم ولم يكمل حلمه بالزواج والإنجاب والآخر أخفى فرحه وتبني اسم ابن صاحبه الذي لن يحضر إلى الحياة ..
خبراء صغار ..
لا أقصد بالخبراء من اخترعوا الذرة والنووي وأسلحة الليزر ، أو من تحدوا الجاذبية وصعدوا القمر ، ولكني أتحدث عن أطفال غزة ، أولئك الذين تفتحت عقولهم قبل الأوان ، وتشكلت أفكارهم باكرا على غير عادة .
هل كان حكرا على غيرهم الفرح ، حتى لا يطالهم وهم في مقتبل أعمارهم منه شذرات خفيفة ؟؟؟ ....
غيرهم في كل بقاع الأرض يلعبون الكرة ، ويتسابقون بالدرجات ، ويبنون البيوت الرملية ... أما هم فأكثر من يتكلم عن الأسلحة ، أنواعها ، طرق استخدامها ، والاختلافات الجوهرية بين طلقاتها .
يعرفون عن الانتخابات الإسرائيلية ، والحركات التحررية في العالم أجمع ، إنهم أطفال غزة ...
استرقنا السمع لمجموعة أطفال ما دون العاشرة في مدرسة الابتدائية (ج) للاجئين ، وسط القطاع ، وفاجأنا ما سمعنا ، لا أخفيكم أني فركت عيناي أكثر من مرة ، وحاولت أن أغالط نفسي ، إنهم يتكلمون عن القوة العسكرية الإسرائيلية ، وعن إحصاءات عددية بالخسارة في كلا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ، وعن أنواع الصورايخ ، والطرق الفنية لإطلاقها ...
يقول أحدهم " تختلف صواريخ طائرات الأباتشي عن صواريخ الأف 16 ، ويمكن التمييز بينها من صوت الهواء قبل انفجارها " ، ويضيف آخر " طائرات الاستطلاع أنواع ، منها من يطلق القنابل ومنها من يكتفي بالتصوير " ، وأعقب مؤكداً " قنابل الفسفور تطلقها المروحيات ، ويخطئ من يعتقد أن طائرة الاستطلاع تطلقها " .
غريب هذا الوضع ، في أشد الغرابة ...
قدماء جدد
التحدي الأكبر ، هو نبتة في الأرض من بعد الجفاف ، تزهر لتنبت أوراقها بشهادات ميلاد جديدة ، تحمل نفس الأسماء القديمة للأبناء القتلى ...
فتحية عبيدات أم لأربعة أبناء فقدت آخرهم في الحرب الأخيرة ، تحمل بين يديها شهادات وفاة أبنائها ، وشهادات ميلاد أحفادها الذين يحملون نفس أسماء أخوالهم .
أنجبت ابنة فتحية الصغرى توأمين بعد الحرب بأسبوع أسمتهما بأسماء اثنين من إخوتها الشهداء .
على وعلاء صغيرين جدا على معرفة عرابيهمها ، لكنهما حتما سيشعران بالفخر ، هكذا تواسي أم الأربعة شهداء نفسها بحفيديها الجديدين ، ولكنها تخشى عليهما مصير أخوالهم .
لنفترض أنها طبيعة
بعد كل ما حدث من أهوال في البقعة الصغيرة جدا من العالم – غزة - ، استمرت الحياة ، كأنها لعبة الكترونية ، لا يعنينها فيها النهاية ..
فكل مرحلة يمكن أن تخزن في الذاكرة ، ليبدأ العمر في العد بعد انتهائها من جديد ...
تك تك تك ، دقت ساعة الصباح ، اسمحوا للديك بالآذان ، وأقيموا الصلاة ، فابنتنا غزة ما زالت على قيد الحياة !!!!









